محمد الغزالي
335
فقه السيرة ( الغزالي )
ما كان المسلمون يشكّون في دخول مكة ؛ فإنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم قصّ عليهم رؤيا أنّه دخلها ، وطوّف بالبيت العتيق فيها ، فلمّا رأوا ما رأوا من شروط الهدنة ، وأمر الصلح والعودة ، وتعنّت سهيل مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وافتياته على شخصه ، دخل عليهم من ذلك كلّه أمر عظيم ، حتى كادوا يهلكون ! ثم جاءت قصة أبي جندل فزادت الطين بلّة . ورأى سهيل ابنه ، فقام إليه يضرب وجهه ، وأخذ بتلبيبه ، ثم قال : يا محمد ! قد لجّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا ! ! قال : « صدقت » . فجعل سهيل ينتر ابنه بتلبيبه ويجرّه ليردّه إلى قريش ، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ! أردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني ! . فزاد ذلك النّاس إلى ما بهم ! . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا جندل ! اصبر واحتسب ، فإنّ اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا ، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه ، وإنّا لا نغدر بهم » . ونفذت القضية ، وأعلنت خزاعة دخولها في عقد المسلمين ، وأعلنت بنو بكر دخولها في عقد قريش ، ومضت شروط الهدنة « 1 » . . ! . [ ردة فعل المسلمين على الشروط ] : والنظرة الأولى لهذه الشروط تدل على أنها مجحفة بحقوق المسلمين ، مرضية لكبرياء قريش وحميتها الجاهلية ، وقد تساءل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مستنكرين : لماذا يردون إلى قريش من جاء منهم مسلما ، ولا تردّ قريش من جاءها من المسلمين مرتدّا ؟ . وفسّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا الشرط بأنّ من ذهب إليهم كافرا فلا ردّه اللّه ، وقد وقي المسلمون خبثه ، أما المستضعفون من المسلمين ، فستعيى قريش بأمرهم ، كما عجزت عن سابقيهم ، وستكون العقبى لهم . ألم يكن النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه مستضعفين ؟ ثم نصرهم اللّه ، وخذل قريشا أمامهم ؟ ! .
--> ( 1 ) هذا كله من تمام قصة الحديبية عند ابن إسحاق ، والسياق له ، والبخاري وأحمد .